الغزالي
51
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن ، والرغبة فيها تكثر الهم والحزن ، حب الدنيا رأس كل خطيئة ، والزهد فيها رأس كل خير وطاعة » . وحكي : أن بعض الصالحين مرّ على جماعة فإذا بطبيب يصف الداء والدواء ، فقال : يا معالج الأجسام ، هل تعالج القلوب ؟ فقال الطبيب : نعم ، صف لي داءه . فقال : قد أظلمته الذنوب فقسا وجفا ، فهل له من علاج ؟ فقال الطبيب : علاجه التضرع والابتهال والاستغفار آناء الليل وأطراف النهار ، والمبادرة إلى طاعة العزيز الغفار ، والاعتذار إلى الملك الجبار ، فهذه معالجة القلوب ، والشفاء من علّام الغيوب . فصاح الرجل الصالح ومضى باكيا وقال : نعم الطبيب أنت ، أصبت علاج قلبي . فقال الطبيب : هذا معالجة قلب من تاب ورجع بقلبه إلى البرّ التوّاب . وحكي : أن رجلا اشترى غلاما ، فقال الغلام : يا مولاي : إن لي معك ثلاثة شروط : أحدها : أن لا تمنعني عن الصلاة المكتوبة إذا جاء وقتها ، والثاني : أن تأمرني بالنهار ما شئت ولا تأمرني بالليل ، والثالث : أن تجعل لي منزلا في بيتك لا يدخله غيري . فقال له الرجل : لك هذه الشروط ، ثم قال الرجل : انظر في البيوت ، فطاف الغلام فوجد فيها بيتا خرابا ، فقال : أخذت هذا . فقال : يا غلام اخترت بيتا خرابا ! فقال الغلام : يا مولاي أما علمت أن الخراب مع اللّه بستان ؟ فكان يخدم مولاه بالنهار ويتفرّغ بالليل لعبادة ربه سبحانه وتعالى . فبينما هو كذلك إذ طاف مولاه ذات ليلة في الدار فبلغ حجرة الغلام ، فإذا هي منورة والغلام ساجد وعلى رأسه قنديل من النور معلق بين السماء والأرض ، والغلام يناجي ربه ، ويتضرع ويقول : إلهي أوجبت عليّ حق مولاي وخدمته بالنهار ، ولولا ذلك ما اشتغلت ليلي ولا نهاري إلا بخدمتك فاعذرني يا رب ، ومولاه ينظر إليه حتى انفجر الصبح وردّ القنديل ، وانضم سقف البيت . فرجع وأخبر امرأته بذلك . فلما كانت الليلة الثانية أخذ بيد امرأته وجاء إلى باب الحجرة ، فإذا الغلام في السجود ، والقنديل على رأسه ، فوقفا على الباب ينظران إليه ويبكيان حتى أصبحا . فدعا الغلام فقال له : أنت عتيق لوجه اللّه تعالى حتى تتفرغ لعبادة من كنت تعتذر إليه . فرفع